رمضان جربوع: بعد المقام الجديد، هل من برنامج؟
القدس العربي/ أويا طرابلس/ الخميس 5/11/2009
أوكل للسيد سيف الإسلام منصب رسمي ضمن مؤسسة الدولة. قد نفهم من ذلك اعتماد قيادتها العليا ومعها القيادات الشعبية لمفهوم ومنحى عملية الإصلاح في ليبيا، الإصلاح الذي منذ بدأ الحديث عنه صار عرضة لتجاذب مؤشرات متناقضة أحيانا؛ ما بين سلبية وإيجابية، وأخرى ترحب، وغيرها يستهجن، والبعض الآخر يحاول احتواء مفهوم الإصلاح أو اختطافه من خلال الادعاء باعتناقه أو عدم الحاجة إليه.
إذا اعتبرنا التعيين في منصب المنسق العام للقيادات الشعبية - غير واضحة المعالم الدستورية بالنسبة لنا (أو كما نقول بعاميتنا "لا نعرف لها كوعًا ولا بوعًا" – إضفاء الصبغة القطعية وإعلان النية بالشروع الفعلي في عملية الإصلاح، وإيقاف كل من يجدف عكس تيار مطالب المواطن العادي المشروعة، فنحن دون شك نرحب بذلك، وسنضع جانبا ما قد نكون نتمناه بصيغته المثلى وننصاع لواقع الحال ونتفاءل! وما يدفعنا لذلك هو عسر الحال، والحاجة الملحة لكم هائل من التغييرات، تتعلق بكوادر الدولة ومؤسساتها، والكيفية التي تمارس فيها السلطة في بلادنا، وآلية اتخاذ القرارات بها، وماهية الرقابة عليها تشريعاً وتنفيذاً. خطوات وشيكة قد تكون حاملة لزخم أكبر، يدفع بنا إلى التغيير المنشود، وتقويم اعوجاج هذه الدولة، والاعوجاج كما يتفق عليه المشتغلون بهموم المجتمع هو النذير بالحاجة للإصلاح؛ ولكن أي إصلاح نريد؟
الإصلاح لماذا؟
لأن المواطن من عامة الناس يعيش في مستوى متدن وقاس، عند المقارنة مع بلدان عربية نفطية "ريعية" أخرى، ولأن قدراته الإنتاجية محدودة جدا، بفعل التخطيط العقيم أو غير المستقر، والتنفيذ الأشد عقما والأكثر اضطرابا، ولأن منظومة الخدمات الصحية والبنية التحتية في أسوأ حال، ولأن أموال الشعب وثروته أهدرت وأسيء استخدامها، ولأن المحاسبة والمراقبة والضبط والربط لم تكن تفعّل كما يجب، ولأن ممارسة الشعب للسلطة بكاملها أعيقت ووضعت العقبات في طريقها وتعثرت؛ الدولة باختصار ترهلت ويبست عروقها، ولابد من تشخيص واستطباب. الدولة سيطر عليها متنفذون أو مدعون بذلك، عن طريق الصخب والهتاف وضرب الدف والصوت العالي؛ تولوا إدارة دفتها، وما لهم على ذلك من قدرة، واستمرؤوا القعود على الكراسي واستداموها، ومن وراء ذلك لم يحققوا ما يصبو إليه الشعب. يقول البعض إنهم ربما حققوا ما يصبون إليه لأنفسهم.
إذاً، المتوقع من الإصلاح هو إعادة هيبة وفعالية الدولة القائمة على مؤسسات على مستوى عالٍ من الشفافية والفعالية وإزاحة كل المعيقات. وهذا يتطلب التوصيف الحقيقي لواقع الحال، دون طبل أو زمر، ثم رسم الوضعية المثلي وهيكليتها، لإقامة دولة القانون والمؤسسات بعناصر مسؤولة خاضعة للمحاسبة الدورية والرقابة، وإعفاء كل من يقصّر، ورفع كل من يحقّق.
إلا أن الوضعية "المثلى" لن تكون في المتناول بقرار أو مرسوم، لأن شعبنا الذي يعاني مما سبق إيراده صار يعاني أيضا من ظاهرة أخرى معروفة في علم الاجتماع وكذلك في علم التاريخ، ألا وهي الانعكاس السلبي لثقافة الفساد والتسلط والمحسوبية في إدارات الدولة بمختلف تفرعاتها على قطاعات الشعب، فقد تغيرت لدينا -أي نحن عامة الناس- القيم؛ بل نكاد نقول الأخلاقيات الحسنى – إلا من رحم ربي- فعوضاً عن بذل العمل والكد فيه وطلب العلم والحرص عليه في سبيل الترقي ونيل المطالب، صار الديدن في هذه الأيام التربح عن طريق الصفقات وما يرافقها، أو الاتكال على الذهنية القبلية المقيتة، التي أخذت تزحف وتحل محل الوطن، الذي كان يجب أن يكون هو الأول. وهذا الأمر ليس بغريب، فقد حدث في كل بلدان العالم قبلنا، وعلاجه أيضا ليس بعسير، ولكن نورد الأيسر في عجالة:
عندما يرى عامة الناس المفسدين وقد عاثوا فسادا، وأثروا على حساب الشعب بالزور والبهتان وادعاء الولاء، ولا حساب لهم، بل هم يمرحون ويسرحون أمام الناظرين، بل حتى من تفوح روائح فساده، أشد ما قد يتعرض إليه هو وضعه على الرف لبرهة، ثم يفاجأ الناس بتبوئه مركزا آخر، ربما أكثر عطاء، هذه الظاهرة تدفع بالعديد، وللأسف حتى لدى الجيل الصاعد، لاتباع نفس السلوك والنهج، فالقنائص سمينة والفخاخ، إن وجدت، رحيمة.
إعمال للقانون واستقلال للقضاء كفيل بالظاهرة ووأدها، ولكن ذلك يتطلب حينا من الزمن حتى يؤتي ثماره، فما
























