في الذكرى الأربعين للثورة… التوقف والتمنّي
القدس العربي 20/08/2009
في المناسبات السنوية وأعياد الميلاد عادة ما نتمنى لبعضنا طيب الحال ودوام الخير، وقد خطر لي، وقد أشرفنا على الذكرى الأربعين لمشروع الثورة في ليبيا، أن أتذكر موقفنا، باعتباري عشت هذه الأربعين وقبلها ربع قرن ونيف، والإنسان عندما يلج باب الكهولة، يتذكر ويتمنى، وقد يخلص إلى غير ما كان يرى في حين سابق. وبلا شك يظل الإنسان يتمنى لوطنه مستقبلاً مزدهراً، إن لم يكن له، فلنسله من بعده، بدون حلول جذرية أو اقتلاعية وبتأنٍّ وبخطوة ثابتة تليها أخرى.
وقبل التمنّي يقتضي الحال التوقف والنظر واسترجاع الذاكرة، ولئن تم الحديث بضمير المتكلم المفرد أو الجمع إلا أنه - كما أجازف بالاعتقاد- لسان حال جيل كان قد بلغ أوائل الرشد عندما قامت الثورة في ليبيا.
الموقف كما نستذكره
عند انبلاج الثورة، قبلنا بها، وإن على شيء من مضض، لعدم وضوح الصورة في البدء، ولكن عندما أعلن عن مبادئ وأهداف وسياسات كانت تلامس منا، على تنوع المشارب، وترا، وعلى رأسها شعار (لا مغبون ولا مظلوم) رأينا فيها العدالة بمفهومها المطلق، ومكافحة الفساد الذي كنا قد أخذنا نراه يستشري ويعيق التقدم نحو مجتمع سويّ، وإجلاء عساكر الغرب، الذين كنا نرى فيهم ما ينقص من استقلالنا، والتوجه القومي العروبي الذي تشربناه منذ الصغر، ونطمح إليه وإلى الوحدة، في ذلك الحين، وكان هذا هو الموقف الثقافي السياسي المرتضى من قبل معظم التيارات السائدة. ولم يدر في خلدنا أبدا عرقية ما أو تسام أو إنكار لمن له خلفية تختلف، فقد كان تاريخنا مشتركا، وكذلك معاناتنا، ولا ننسى وضع اللغة العربية في الصدارة والاعتزار بها، وكان هذا موقفاً ثقافياً آخر، ثم الاشتراكية التي كانت تعني لنا بالدرجة الأولى تكافؤ الفرص، ومساواة مبدئية أمام القانون وبالحقوق، ومنع استبداد من له مال بمن لا يملك منه، سواء عن طريق النفوذ السياسي أو الاقتصادي. ولعل أهم ما شدنّا بكل جوارحنا: قضية فلسطين، تلك التي ترعرع جيلي وشب وشاب وهي شغله الشاغل، الذي لا يغادر المخيلة في الصحو أو النوم، لم يكن لدينا أي تحفظ على الدعوة للنهضة بالتعليم والتطوير وبناء قوات مسلحة، بما أتيح لنا من موارد، دون حدود أو إملاء، ونصرة الشعوب في أوطاننا المحتلة والتي تسعى للتحرر، ثم سياسة خارجية متوازنة لا تنحاز لأي من الأقطاب.. وغير ذلك كثير…. وهكذا ولد لدينا انطباع بأننا في طريق الحصول على ‘دولة’ تقوم بكل ما كنا نطمح إليه وتعتقد بما نعتقد! بل خيّل إلينا لوهلة أنها حلّت محلنا وكفتنا مؤونة القتال.
طٌرح فيما بعد واعتمد مبدأ سلطة الشعب، وكان الحسبان أن المجمتع الذي يسعى لضبط علاقات الأفراد والمصالح والحريات والحقوق يحتاج لأداة حكم في يد الشعب ، ومنه التشريع والتكليف بالتنفيذ والمحاسبة، ويصاحب ذلك كله قضاء كامل الاستقلال. هذا باختصار مفهوم الديموقراطية أو وسيلة حكم الشعب بنفسه، طرح الجماهيرية كان يختلف في المنطلق، وإن لم يحد عن المفهوم العام للديموقراطية بخطوطها العريضة. والسعي كان لتصحيح بعض ما كان يعترض التطبيق المعتاد في العالم الغربي، وتظل سلطة الشعب نظرية وتجربة، لها وعليها، مثلها مثل كل ما سطّره الإنسان في تاريخه، فلا حقيقة مطلقة في تاريخ واجتهاد ونجاعة الإنسان في المضمار.
بهذا الطرح وما تقدمت به الثورة من قبل كمبادئ وسياسات، وما توفر من موارد مالية وبشرية إلى جانب الهمّة والطموحات الكبرى، كان من المفترض أن نكون في حال أفضل بكثير مما نحن فيه الآن، على الرغم من أن الكثير تحقق وأنجز، وهو ليس باليسير، إلا أن أي مجتمع يتطور وتتطور حاجاته وتخرج مطالب أخرى لم تكن في الحسبان أصلا وتستجد ظروف ومتطلبات ما كنا نعلم عنها شيئا. وإن كان لنا البحث في عدم تحقق كل الموعود وما كان يجب التركيز عليه، فلن يكون ذلك عسيرا فقد مضى أجل من الزمن واتضحت عدة رؤى نعدد منها:
ومن العوائق نرى:
هذه تقع، في رأيي، ضمن ثلاث فئات تتفاوت أهميتها حسب الطموحات والأهداف، وكذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية دائمة التغير والتدبل.
ربما من أهم المعوقات وتيرة وتسارع التغير في معطيات السياسة الدولية وأوضاعها وتطوراتها، التي صارت أعظم بكثير مما كانت عليه من قبل. تغيرت الظروف السياسية العالمية بتغير الأنظمة والتوازنات، وانتهاء عصر ‘القطبين’: الغرب والشرق، ناهيك عن سيطرة قلة من الدول ‘العظمى’ على مجريات أمور العالم، والتوافق المضمر بينها في كل ما يحدث. ليبيا الطموحة المتطلعة اصطدمت بفعل ذلك بمصالح هذه الدول، فحوربت وحوصرت وقوطعت، وحُرّم عليها ممارسة السياسة التي لا ترضى عنها تلك الدول، ووُضعت في موقع الاستهداف طول ثلاثين سنة، وانعكس ذلك على سكانها وإداراتها ومشاريعها، ومن ثم مسيرتها المخطط لها نحو التنمية والتقدم المنشود في أول بيان للثورة.
الفئة الأخرى من المعوقات تكونت بالدرجة الأولى من قوى داخلية تشكلت من أصناف ‘الجامحين أو الجانحين’، وهم في الغالب من غير المؤهلين أو الجديرين بما تبوؤوا من مراتب في أهم مؤسسات المجتمع وهي:
· المؤسسة السياسية المفترضة، ألا وهي حركة اللجان الثورية، التي حاد بعض من أعضائها عن المسار المخطط لها، وتقلدت سلطات لم تكن لها، وتجاوزت الهدف الموضوع من أجله في تحريض الشعب على ممارسة سلطته. وهذا ينطبق على قلة متنفذة منها، استغلت الفرصة المتاحة، فعاثت في الأرض فسادا، واستحلت المال العام، وكذلك الحريات والحقوق. وفي سبيل ذلك لم تنفك عن اختلاق الأعداء، وانتشت بالسلطة، وصارت تمثل ثقافة جديدة فحواها الاستبداد والاستعلاء، وهم على كل حال قلة، ونحن هنا لا نعمم.
· المؤسسة الأمنية، بمختلف أجهزتها، حيث استطاعت قلة من أعضائها ترسيخ مفهوم للأمن لا يعتني بأمن الوطن والمواطن، ولكن بأمن النظام القائم. ولا اعتراض على ذلك، إلا أنها، أي هذه القلة، في سبيل ذلك فصلت ما بين المواطن والوطن والنظام وقيادة البلاد، وصارت مركز قوة ذات تأثير عظيم، بما أتيح لها من موارد نحسب أنها لم تستعمل وفقا لضبط وربط ورقابة صحيحة، بل إن هاجس البقاء في المقعد كان أحياناً غالباً هو ما يملي عليها ما كانت تتخذه من تصرفات، ناهيك عن انتهاك صارخ ‘لحقوق الأفراد’، من حيث استعمال القوة والافراط فيها والاعتقال والحبس لكل من تحوم حوله أية شبهة، مهما كانت. ونتج عن ذلك كثير من المشاكل والأزمات تعرضت لها البلاد، وكانت في غنى عنها، بل لقد صار البعض منهم يرى أن النظام والبلاد مدينة له!
· المؤسسة التنفيذية، والمتمثلة في ‘ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ